حسن حنفي
17
من العقيدة إلى الثورة
ويمكن تحديد بناء الموضوع تاريخيا أو نظريا أو وصفيا . فمن الناحية التاريخية بدأت النظريات حول الافعال أولا بالجبر ثم حدث رد الفعل ثانيا باثبات الاختيار وأن الانسان خالق أفعاله . وأخيرا جاءت نظرية الكسب كمحاولة للتوفيق بين الجبر والاختيار « 44 » . هذا هول الجدل التاريخي السائد في معظم موضوعات علم الكلام من الفعل إلى رد الفعل ثم إلى المركب من الفعل ورد الفعل . حدث هذا في التوحيد ، في التشبيه ثم التنزيه ثم اثبات الصفات بلا كيف . ولكن من الناحية النظرية الخالصة بدءا من النظريات غير المؤسسة إلى النظرية المؤسسة يبدأ الجبر باعتباره أقل النظريات الثلاث تأسيسا ثم يتلوه الكسب باعتباره أيضا أقل النظريات الثلاث تأسيسا ثم يأتي في النهاية خلق الافعال باعتباره أكثر النظريات تأسيسا . ويرتب القدماء المذاهب طبقا لرأيهم الخاص ابتداء من الكسب ثم الجبر ثم خلق الافعال بما يدل على أن الجبر أقرب إلى الكسب وأن خلق الافعال أبعد منه « 45 » . ولكن من الناحية الوصفية الصرفة تبدأ نظرية الجبر التي يسهل رفضها بتحليل تجارب الانسان الحية للفعل . تتلوها نظرية الكسب التي تظل في اطار الجبر وتنشأ بدافعها الأول وهو الدفاع عن حق الله والاعتراف بحق الانسان ولكن من أجل الدفاع عن حق الله . وأخيرا يأتي خلق الافعال باعتباره أقرب النظريات إلى التجارب
--> ( 44 ) يمثل الفعل الأول جهم بن صفوان ، ورد الفعل الثاني المعتزلة . يشارك المعتزلة جهم في نفى الصفات وكلهم يختلفون عنه في خلق الافعال ، وكأن نفى الصفات لا يؤدى بالضرورة إلى اثبات الافعال وان اثبات الصفات لا يؤدى بالضرورة إلى الجبر أو الكسب بدليل أن جهم يقول بنفي الصفات وبالجبر في الافعال . ( 45 ) أفعال العباد وبيان المذاهب فيها . في هذه المسألة ثلاث مذاهب أ - مذهب أهل السنة وهو أنه ليس للعبد في أفعاله الاختيارية الا الكسب فليس مجبورا كما تقول الجبرية وليس خالقا لها كما تقول المعتزلة . ب - مذهب الجبرية وهو أن العبد ليس له كسب بل هو مجبور أي مقهور كالريشة المطلقة في الهواء تقلبها الرياح كيف شاءت . ج - مذهب المعتزلة وهو أن العبد خالق لافعاله الاختيارية بقدرة خلقها الله فيه ولقولهم بقدرة خلقها الله فيه لم يكفروا على الأصح . فالجبرية أفرطوا ، والمعتزلة فرطوا وتوسط أهل السنة وخير الأمور أوسطها ، التحفة ص 8 .